أوركسترا دستويفسكي :
يمثل الروائي الروسي فيودور دستويفسكي أحد أعمق الروائيين فهمًا وسبرًا للنفس الإنسانية، فالنفس عنده ليست غامضة بقدر ما هي تجلّي بغموض، فالفرق دومًا وأبدًا يكمن في السرد وقراءة العلامات السردية، والإرتكاز على النوتة الروائية ليس بوصفها أبسط علامة بل بوصفها الأعمق، القريب البعيد، المرئي المتخفي، إن الجواب -كما قلتُ سابقاً- أقرب إلينا من السؤال، تحت أرنبة الأنف وأبعد من مجال النظر، كل شخصية عند دوستويفسكي تحمل مبدأ أو فكرة، تبدأ ببساطة كسمفونيات بيتهوفن ثم تتشكل حولها النوتات فاتحة لها أفق التشكل والتمظهر- كعروس بين وصيفاتها- فبقدر تجليّهم تتجلى، فتُظهر أن البسيط ليس إلا عمقاً مستتراً ككينونة هيدجر .
كثير من قراء دستويفسكي يراه مغرقاً في الواقعية أو الوصفية البحتة ، دوره نقل خصائص المجتمع الروسي لقرائه خارجه، هؤلاء يقعون في آفة القراءة الإسقاطية مع الأسف، إذ أن أحد سمات الكتابة الروائية في ذاك العهد أنها كتابة صحفية ، تُنشر الرواية على أجزاء في الصحيفة الأسبوعية ثم تجمع بين دفتي كتاب، بمعنى أن الكاتب مهتم بقراءه داخل مجتمعه أكثر من إهتمامه بالقراء خارجه، وبذلك ندرك مدى خطأ التأويل الواقعي/الوصفي المقارن لأولئك، وعلى ذلك ندرك أيضاً أن لدستويفسكي إيقاع شعري وكتابة سمفونية للشخصيات الإنسانية، ولعل أحد أعمق رواياته هي “الأبله”، إذ إنها تمثل أوركسترا الفطرة في أجلى غموضها، وفي أكثر روايات المايسترو “فسكي” نجد “المكان” يميل إلى القتامة والكآبة حيث القضبان من ذكرياته في منزل الأموات أو صالة القمار في المقامر أو الغرف المتسخة في مذلون مهانون حتى في روايته “الأبله” يبدأ بالقطار وأغبرته والضباب وعتمته إلا أنه يغير هذه النوتة الكئيبة، فبطرسبرج “الجريمة والعقاب” ليست بطرسبرج “الأبله” ، فهنا صالونات الجنرالات وأزياء الأثرياء، وأميرات وأمراء، إذ “عندما يرسم الروائي حدود عالمه الروائي الخاص تأتي الكلمات من تلقاء ذاتها، وهي الكلمات التي يتطلبها هذا العالم الخاص”1” ، فالأبله إذن في هذا العالم الروائي قادم الريف حيث جمال الطبيعة وفتنة المنظر، فدوستويفسكي يريد القول أن الفطرة كهذه الطبيعة الغنّاء والبساتين الزاهرة، والأبله أيضاً (أمير) حيث مفهوم النبالة من متلازمات ذاك الزمن الفائت، (فقير) حيث الفقر علامة السلامة، تتجمّع هذه العلامات لتشكل الأبله/الفطرة، لكن المايسترو كعادته “ينتاب المرء شعور أثناء قراءته بأن الشيطان والملاك يسيران يدًا بيد، وهما متفاهمان ويسامح أحدهما الآخر”2″، كذلك أبله دستويفسكي يعاني من مرض (الصرع) كان يتعالج منه في الريف، إن كل تلك العلامات التي تمثل الفطرة الخيّرة لا توصف حالته الباطنية على حقيقتها إلا مع المرض/الشر، فالنفس في حالة سكون وهدوء ما دامت في هذا التوازن والإتساق دون مؤثرات إجتماعية تتلاعب به، بخلاف جاك روسّو نقرأ مفهوم “الحالة الطبيعية” عند دوستويفسكي مزجاً بين الخير والشر رغم إتفاقهما على تأثير المجتمع عليها لاحقاً، ولذلك سيرى قارئ الرواية في نهايتها ؛ كيف دفع المجتمع بالمرض/الشر إلى حدوده القصوى فغلب المكونات الخيّرة الكثيرة في نفسية الأبله؟! ، ولعل المزيج الإنساني هو الذي ساعد الأمير الأبله في تقبل صداقة بل كسب ثقة ( ناستاسيا – روجويين) وهما من الشخصيات التي تجاوزت حدود العادات الإجتماعية والأعراف، ولعل هذه الإستعدادات الفطرية ساعدته أيضاً في رؤية الجمال في (نستاسيا) دون غرضية وذرائعية على شرط كانط، بل إن رؤيته الجمالية نفذت إلى العمق فرأى معاناتها وآلامها وعذاباتها المستترة، وي كأن الجمال في المعاناة، حتى إرادة الخير عنده لأجل الخير فقط، إن من يفهم آلام الشر وتبعاته ويحمل في طياته خيرًا أصلياً كفيل بإدراك مفهوم الإنسان ، هكذا يريدنا دوستويفسكي أن نرى أميره الأبله !
وكما يقول السريالي هنري ميلر أقول : “إن من لديه الطاقة على التأثير علينا أعمق فأعمق كلما قرأنا مؤلفاته هو بحق أستاذ”
1 – اعترافات روائي ناشئ، أمبرتو إيكو .
2 – الكتب في حياتي، هنري ميلر .
دمتم بخير إلى رواية أخرى .
#أستاذ سلطان البنوي
—




المراجعات
لا توجد مراجعات بعد.